عودة الـ "ام تي في" بعد غياب سبع سنوات: محطة الترفيه بخطاب يريد ان يكون سياسيا  
21/04/09 GMT 9:03 AM 
بيروت – فراس زبيب: تزامن مع عودة محطة الـ"أم تي في" اللبنانية الى البث، بعد توقف قسري دام سبع سنوات كاملة، كلام كثير عن مدى حيادية هذه المحطة سياسيا وحزبيا وطائفيا.
وقد جاء في سياق النشرة الاخبارية الاولى التي بثت مساء الثلثاء في السابع من نيسان ابريل الجاري، يوم اعادة افتتاح المحطة، انها "ستنتقد حيث يجب ان تنتقد، وتثني حيث يجب ان تثني... لا فرق عندها من اخطأ او من اصاب، سواء كان من 8 آذار او 14 آذار، مسلما ام مسيحيا، لان هدفها اولا واخيرا الانسان والوطن".
وقد سمعنا مدير الاخبار والبرامج السياسية في المحطة يقول: "لن نكون مرتهنين لاحد، لا لطائفة ولا لصاحب مال ولا لحزب سياسي ولا لسلطة من اي نوع... سنضع المادة الاعلامية الموضوعية النظيفة بين ايدي الناس، وهم يحدّدون رأيهم".
اما رئيس مجلس ادارتها ميشال غبريال المر فقد تحدث في كلمته التي القاها في يوم البث الاول عن خطّ الـ"ام تي في" وسياستها وقال: ".. أود ان اذكّر ان الـ"ام تي في" كانت وحتى يوم اقفالها صوت لبنان الحر في خدمة جميع اللبنانيين بدءا من دعم المقاومة، الى اخراج الاحتلال الاسرائيلي، وصولا الى دعم الحركة الاستقلالية لإخراج الاحتلال السوري، والآن بعودة الـ"ام تي في" ستكمل بالمبادئ عينها التي انطلقت منها، لن نكون ابدًا مرتهنين لأحد..."
والـ "ام تي في"، بالنسبة لمن شاهدها وتابعها منذ انطلاقتها الجديدة منذ اسبوعين تقريبا، تبدو قريبة من الحياد الذي تحدث عنه القيمون عليها والعاملون فيها، الا انه حياد عن السياسة بشكل عام، في محطة ترفيهية اكثر منها سياسية.
ويبدو للمشاهد كم تبرع هذه المحطة ببرامج المنوعات والترفيه، وكم لا يزال خطابها السياسي هشا، وغير واضح.
المحطة، اذا اردنا تعريفها سياسيا، هي اقرب الى سياسة فريق 14 آذار منها الى الفريق الآخر، اي معارضة 8 آذار. المذيعون الذين يعملون فيها خير دليل على ذلك، كون معظمهم ينتمون الى خط 14 آذار السياسي... الا ان ما يبدو واضحا لدى مشاهدتنا برامج المحطة ونشراتها الاخبارية هو ذاك الادعاء بأن حيادية محطة الـ "ام تي في" تأتي خصوصا من كون سياستها هي سياسة 14 آذار السيادية، التي اكتسبتها قبل تاريخ الرابع عشر من آذار وقبل تكتل احزابه. اي ان المحطة، بمعنى آخر، هي حيادية لانها سبقت الفريق الذي يشبهها الى سياسته. كأن الـ "ام تي في" تقول انها لا تدخل في العراك والازمة السياسيين الحاليين لانها سبقت هذا العراك بان تكون احد اطرافه.
الا انه يصعب التحدث عن محطة الـ "ام تي في" سياسيا. فالمحطة للتسلية والترفيه وتكاد لا تكون صوتا سياسيا حتى في نشراتها الاخبارية. البرامج المنوعة الكثيرة التي تطل علينا عبر هذه الشاشة هي برامج منوعات تسلي المشاهد من دون ان تحدثه عن قضايا سياسية كبيرة ومضنية. والسؤال الذي يُطرح هو: لماذا يضطر من هو مُقبل على بناء، او اعادة بناء، محطة ترفيهية ان يتحدث عن سياسة المحطة؟ لماذا اذن يدعي السياسة من يحاول الابتعاد عن السياسة او الرأي السياسي ليكون محايدا فيهما؟
واكثر ما يثبت هذا الكلام هو تلك الفقرة التي تبثها قناة الـ "ام تي في" مرارا وتكرارا كل يوم منذ انطلاقتها الجديدة، حيث نرى صور للزعماء اللبنانيين الاساسيين مرفقة بأغنية بالانكليزية يتحدث فيها المغني عن شوقه للشخص الذي يحب والذي هجره. ونرى صورا لزعماء من المعارضة الحالية يقبّلون زعماء من الموالاة، وهي صور من سنوات سبقت كان فيها خصوم اليوم اصدقاء او حلفاء. وتنتهي هذه الفقرة بصور القادة والزعماء السياسيين جميعا وبكلمات بالانكليزية ايضا ومفادها: "”wish you never broke up اي: "ليتكم لم تختلفوا او تنفصلوا يوما"...
الفقرة هذه تبدو مضحكة لدى مشاهدتها، لغرابة المزيج بين الموسيقى الشعبية الاميركية البسيطة وصور القادة الجدية وذات المعاني السياسية الكثيرة. فالمشاهد اللبناني غير معتاد اصلا على رؤية صور القادة السياسيين الا في نشرات الاخبار والبرامج السياسية الخالية دائما من الموسيقى حتى الكلاسيكية منها. وفي رؤية صورهم مرفقة بأغنية من هذا النوع يشبه مثلا رؤية مشاهد لام كلثوم مع اغنية راب..
ولكن شعار الفقرة هذه الذي يُراد منه ان يبدو كأنه شعار المحطة ككل، يبدو صادقا وساذجا في آن معا. فاللبنانيون جميعا قد يقولون لانفسهم او لبعضهم البعض حين تضيق بهم الحياة في ظل الازمة السياسية اللبنانية شيء مثل "ليت رجال السياسة لا يختلفون ونعيش كلنا بامان في لبنان..." فهذا الكلام ان اتى من مواطن وقعه مختلف وابعاده ومعانيه مختلفة، ولكن حين تقول محطة تلفزيونية ذلك، وخاصة حين تكون محطة تدعي عبر هكذا قول الموضوعية والحيادية في آن معا، في حين انها ليست فعلا حيادية، يبدو القول اقرب الى السخافة منه الى الواقعية.
فقد نتفق جميعنا ان الحياة كانت لتكون افضل في بلدنا لو لم يختلف السياسيون فيما بينهم. ولكن ان يقول المرء: "ليتهم لم يختلفوا.." فهذا خطاب لا يشبه السياسة ولا يتوافق مع مبادئها. قد يحلل احدهم سبب خلاف السياسيين، او يجد آخر ان الخلاف هذا لا مبرر له، او حتى يبحث عن اسباب الخلاف ويجد انها، في الوقت نفسه، اسباب ونتائج لاشياء اخرى اكثر خطورة واكثر صراحة من الخلاف نفسه...
في هذه الحالات، يكون المرء يروي السياسة بما يشبهها. ولكن، ان يكتفي احدنا بان يقول: "ليت الخلاف لم يحصل"، فهو كأن يقول: "ليت لا مشاكل في الحياة" مثلا.
نتفق جميعا مع الـ "ام تي في" اذا بأن الحياة كانت لتكون اجمل لو لم يكن في لبنان خلافات سياسية وازمات. ولكن لا يمكننا ان نتفق معها على ان هذا الرأي هو رأي سياسي حقيقي ونقدي وجدي. اذا اردنا الحكم على هذه الفقرة من منطلق سياسي جدي نقول ان الشعار هذا ليس لا سياسيا ولا جدية فيه. ونأمل ان لا تجعل محطة الـ"أم تي في" من هذا الشعار او هذه الفكرة رأيا يكون رأيها او سياسة تكون سياستها...
فعبارة "يا ليت" ليست عبرة في عالم السياسة ولا معنى لها فيه. هي يوتوبيا لا تتوافق مع الفكر السياسي، خصوصا اللبناني. هي ايجابية مطلقة وساذجة لا تشبه الواقع.
وقد نفهم لماذا محطة الـ "ام تي في" تصرّ على ان تكون حيادية وتعمل على ذلك في بلد نادرا ما يجد المواطن فيه محطة او وسيلة اعلامية حيادية، او تدعي الحيادية حتى.
وان تدعي الـ "ام تي في" الموضوعية والحيادية هو امر جيد، ان نجحت فيه او لم تنجح. ولكن لتكون الحيادية حقيقية، يجب ان تتمكن هذه المحطة من التحدث بلغة السياسة، وتكون في الوقت نفسه حيادية.
لان ادعاء الحيادية السياسية في البرامج غير السياسية لا معنى له اولا، تماما كما لا معنى ولا جدوى من نقل الخطاب السياسي والرأي السياسي الى مكان تصبح فيه السياسة أشبه بالبكاء على الاطلال، وبتمني لو ان الماضي لم يحصل بالطريقة التي حصل فيها.

 
 
a
a
© جميع الحقوق محفوظة للرأي نيوز 2006 - 2010
 برعاية