عن ورقة زينة البيضاء 
16/04/09 GMT 6:38 AM 
بيروت – فراس زبيب: الورقة البيضاء التي تصرّ زينة على وضعها في صندوق الاقتراع في الانتخابات النيابية المقبلة هي بالنسبة لها حق، وواجب. ذكرت زينة كيف ذهبت الى قريتها في منطقة عكار في شمال لبنان منذ الساعة السادسة صباحا قبل انتهاء مهلة تقديم طلبات الهوية بأيام، لتقوم بالاجراءات اللازمة للحصول على الهوية التي بات اللبنانيون ينتخبون بها عوضا عن بطاقة الانتخاب.
كانت حماسة زينة كبيرة وغامرة كما قالت، رغم كونها لم تكن تريد انتخاب احد من المرشحين في تلك المنطقة، ولم تكن تأمل باحداث تغيير في عالم السياسة اللبناني من اي نوع.
زياد، الشاب الذي يعمل في محطة تلفزيونية لبنانية، يعتبر ان اصرار زينة على وضع ورقة بيضاء في صندوق الاقتراع يشبه ميلها الدائم الى التبرّج واختيار ثيابها بدقة كل صباح، حتى حين تكون متوجهة الى مكتبها او الى اكثر مناطق لبنان فقرا وشعبية لتجري تحقيقا من هناك للصحيفة التي تعمل بها...
"الانتخاب بالورقة البيضاء في لبنان اشبه بشابة تلبس ثيابا بمئات الدولارات وتمشي في بستان خوخ..." يقول زياد الذي تربطه ببيسان علاقة قديمة، ويضيف: "لست ضدّ الورقة البيضاء كحق ديمقراطي لكل مواطن، الا انني اجد ان هذا الحق لا يعني في لبنان شيئا على الاطلاق".
زينة تعتبر ان الورقة البيضاء التي تصرّ على الانتخاب بها هي صوتها الذي يكون اختيار عدم الادلاء به اشبه بالقمع الذاتي. هي ترى ان اهميّة الورقة البيضاء الانتخابية لا تقتصر على رمزيتها. "حين اسقط ورقتي البيضاء في الصندوق اكون اقول للمرشحين جميعا بانّني غير مقتنعة بسياساتهم وبمشاريعهم السياسية"، تقول زينة بكثير من الثقة وربما، قليل من السذاجة وتضيف "سأدلي بصوتي كسائر اللبنانيين، وكون صوتي لا يحمل اسم اي مرشح لا يعني انه اقل اهمية من صوت هؤلاء الذين سينتخبون فلان او الفلان الآخر".
زياد الذي استمع الى حديث زينة في المقهى البيروتي حيث التقينا بهما ضحك، وقال: "لست اقلّل من اهمية صوتك المحايد، لا بل انني اؤيده، الا ان الخلاف بيننا هو حول اهمية الادلاء به في بلد مثل لبنان.."، واضاف زياد: "المشكلة ان الورقة البيضاء في لبنان لا تؤثّر على شيء. هي كالورقة التي لا تُحتسب، الورقة التي لا يوليها المرشّح اهتماما، لانها ليست له، ولأنها، ايضا وخاصة، ليست للمرشّح المقابل له".
زياد يعتبر ان الانتخابات في لبنان ليست الا بنتيجتها النهائية. "خاصة في انقسام البلد السياسي الحالي، حيث هناك فريقين اثنين، سيربح احدهما ويخسر الآخر في كل منطقة وعن كل مقعد.." يقول زياد الذي يبدو دائما كمن يود اعطاء امثلة حياتية لدعم افكاره.
زياد لا يريد الانتخاب. هو لم ينتخب في حياته ويقول انه لن يفعل طالما لبنان لم يتغيّر فعليا. فزياد من الاشخاص الذين لا يدخلون معركة لا امل لهم بربحها او بالتأثير على نتيجتها. اي انه اذا لم يكن يشجع ايا من الفريقين، يفضل الا يدخل في معركة الانتخابات وهو يعرف ضمنا ان احد الفريقين سيربحها، وان ورقته البيضاء لن تكون حتى ربحا اقل للرابح او خسارة اكبر لمن سيخسر.
وبهذا المعنى، يعتبر زياد ان الورقة البيضاء هي فشل، لانها لا تؤثر ابدا على النتيجة، ولا حتى رمزيا.
عدد كبير من الشباب اللبناني لا يريد الانتخاب. وبعض من هؤلاء الذين ينوون الانتخاب يتحدثون عن اسباب تجبرهم على ذلك او تحثّهم عليه بكثير من الاصرار. كأن يقول شاب ان افراد من عائلته يضغطون عليه لينتخب هذا المرشح او ذاك، او ان تقول فتاة انها تشعر برغبة في انتخاب مرشح فقط للمساهمة في هزيمة المرشّح الآخر..
يبدو الشباب مختلفون عن بعضهم البعض، في الرأي السياسي تارة، وفي الفكر الاجتماعي والثقافي تارة اخرى. منهم من ينتخب استسلاما لضغط ما، ومنهم من يريد الانتخاب لابراز رأيه الممانع للانتخابات...
كثيرون يتحدثون عن ورقة بيضاء يريدون رميها في صندوق الاقتراع كأنهم كتبوا عليها بحبر شفاف رفضهم لعالم سياسي كامل، وأملهم بمستقبل سياسي اكثر ديمقراطية وشفافية.
مروان مثلا، الذي يحمل الجنسية الفرنسية بالاضافة الى جنسيته اللبنانية، يعتبر ان الانتخاب في لبنان فيه شيء من "جلد النفس" كما أطلق عليه. "لن انتخب في لبنان بحياتي".. يقول مروان الذي ذهب الى السفارة الفرنسية في لبنان وقت الانتخابات الرئاسية الفرنسية وادلى بصوته منها. "الانتخابات في فرنسا تحدث تغييرا، او ان الشعب الفرنسي يمكنه اذا اراد ان يحدث تغييرا عبر مشاركته بالانتخابات. اما هنا، في لبنان، فلا الانتخابات تهدف الى التغيير والتجديد، ولا الشعب يودّ فعلا ان يغيّر شيئا".
"لا اوافق على الخارطة السياسية اللبنانية" يقول مروان الذي يعيش في لبنان منذ صغره وينتخب منه، في فرنسا. هو يعيش على هامش السياسة في لبنان، كأنه لا ينتبه حتى الى ما يحصل في العالم السياسي الذي يعيش هو في كنفه وتحت رعايته. يتحدث عن لبنان وعن حياته فيه كأنه عابر سبيل لا ينتبه الى ماضي البلد ولا يتأمل في مستقبله. وعدد اللبنانيين الذين يشبهون مروان كثر في صفوف الشباب. هؤلاء الذين امضوا كل سنوات حياتهم في لبنان الا انهم يجدون صعوبة بالغة في التحدث بالعربية، او في تذكر اسماء السياسيين اللبنانيين.
ويقول مروان: "لا شيء يعنيني في العالم السياسي اللبناني ولا شيء يشبهني فيه او يمثّلني... لذلك لن اصوّت، ولن اهتم حتى بالنتيجة، النتيحة التي نعرفها مسبقا على كل حال"...
زينة، وغيرها من الشباب الذين يشاركونها الرأي، تعتبر أن الورقة البيضاء يمكنها ان تحدث تغييرا، ويمكنها ايضا ان تتفوّق على رمزيتها وتؤثّر على مجرى الاحداث والافكار والمستقبل. "فخطوة وزير الداخلية الحالي زياد بارود بالغاء القيد الطائفي عن السجل مثلا بدت رمزية اكثر منها فاعلة بالنسبة للبعض في البداية، الا ان الأشخاص الذين سيمحون الطائفة عن سجلاتهم سيصبحون بعد سنوات جزءا من المجتمع اللبناني، بكل ما لذلك من معنى ونتائج". تقول زينة، وتضيف: "هكذا يصبح للاقليات في بلدنا دور، عبر خطوة صغيرة، رمزية ربما، الا ان لها تأثير على المجتمع والسياسة، تأثير يفوق رمزيتها ويتعدّاها".
هي تقول اننا يجب ان نفرّق بين مقاطعة للانتخابات وانتخاب بالابيض، حتى في بلد مثل لبنان. تعتبر انها حين تضع ورقة بيضاء تكون ترفض المرشّحين انفسهم، وسياساتهم، بينما اذا قاطعت الانتخابات تكون كمن يرفض الانتخابات كمبدأ عبر عدم مشاركته بها. "الديمقراطية هي بابداء الراي اولا.."، تقول زينة التي ترى ان زياد يخطئ في حكمه على الانتخاب بالورقة البيضاء، وتضيف: "سأثبت وجهة نظري الرافضة لكل مرشحي منطقتي يوم السابع من حزيران المقبل، ولن أخجل حتى لو كنت الوحيدة التي تضع ورقة بيضاء في الصندوق".
يقترب موعد الانتخابات النيابية اللبنانية، وتمتلا شوارع بيروت والمناطق باليافطات الانتخابية والشعارات الجديدة التي استُحدثت للمناسبة. والشباب اللبناني يبدو ضائعا، لا صوتا شبابيا واحدا يجمعه، ولا رفضا من نوع واحد يلمّ شتاته.
 
 
a
a
© جميع الحقوق محفوظة للرأي نيوز 2006 - 2010
 برعاية