"حب بيروتي" للروائية سحر مندور... رواية حب وشباب وعولمة وكلام 
27/12/08 GMT 7:01 PM 
بيروت - فراس زبيب: مدينة بيروت هي ديكور رواية سحر مندور الجديدة التي صدرت مؤخرا عن دار الآداب، وهي مسرح احداثها وشخصياتها. تروي الكاتبة والصحافية الشابة قصة حب تعتبره "بيروتي" لشابين لا يتعدى عمرهما الثلاثين عاما.
سنة من حياة علاقة دائمة المراهقة، ترويها مندور في كتابها الذي وقعته خلال معرض الكتاب الاخير في بيروت والذي كان الاكثر مبيعا من بين الروايات في المعرض.

هي قصة علاقة بين شاب اسمه احمد وشابة اسمها ماجدة. علاقة غرامية تدوم لسنوات خمس قبل ان يقاطعها اقتراح ماجدة بأن تترجم العلاقة زواجا. يتراجع احمد امام اقتراح ماجدة خوفا من كلمة الزواج او من جدية ارتباطه، ثم يحن ويشتاق الى ماجدة فيعود اليها ليجدها تغيّرت، متأثّرة برفضه الزواج منها، فتطلب منه ان يجعلا علاقتهما علاقة مفتوحة.
تخرج ماجدة مع شباب غير احمد ويخرج احمد مع نساء غيرها. وتبقى في داخل هذا الاطار علاقتها مستمرة، يقضيانها تارة مع بعضهما يتحادثان عن تجاربهما ومغامراتهما كل مع آخره، وتارة يقضيانها مع دخلاء غرباء في المطاعم والاسرة...
ولكن العلاقة المفتوحة هذه تؤدي في نهاية الرواية الى ضياع علاقتهما، فمن يلعب بالحب والعلاقات والمشاعر لعبا لا يستطيع ان يبقى متحكما بها دائما.

تروي سحر مندور قصة حب لا تشبه سائر قصص الحب. وهي حين اطلقت على هذا الكتاب عنوان "حب بيروتي" اعتقدت ربما انها عبر هذه القصة تروي قصة بيروت المدينة وقصص اهلها وشبابها.
الا ان علاقة احمد بماجدة ليست علاقة بيروتية، وحبهما ليس حبا بيروتيا. ليس لأن بيروت مدينة لا تحصل فيها قصص مثل قصتهما، بل لان هذا النوع من العلاقات او ما يشبهها قد يحصل في كل مكان وفي اية مدينة.

هي رواية عن اشخاص، عن شباب يلعبون بالحب ويخسرون، ولكنها ليست رواية عن بيروت. فبيروت تبدو في الرواية كأنها مجرد عنوان. تسمي الكاتبة اسم شارع مثلا، او اسم مطعم تسهر فيه شخصيات كتابها او مقهى، ولكنها لا تدلّنا، نحن قرائها، الا الى بيروت التي نعرفها.
كأن الكتاب موجه لهؤلاء من قرائه الذين يعرفون بيروت، لا بل الذين يعرفونها مثل مندور وبقدرها. وحدهم الذين زاروا مقهى الروضة في بيروت مثلا سيتخيلون اين التقى احمد بماجدة في بداية علاقتهما. وحدهم ايضا الذين يعرفون مطعم كازابلانكا سيتمكنون من رؤية مشهد العشاء كاملا في مخيلتهم حين يقرأونه.
كأن بيروت في كتاب سحر مندور هي مكان يتطلب من قرّائها ان يتذكروا بيروت التي يعرفونها، وليس ان يتخيلوها او يكتشفوها او يتعرفون عليها. ليس كتابا عن بيروت ولا هو رواية لحب بيروتي. هو كتاب عن اشخاص صدف انهم بيروتيين، عن علاقة شباب كان يمكن ان يكونوا مصريين يقيمون في القاهرة مثلا، او فرنسيين مقيمين في باريس...

رواية سحر مندور "حب بيروتي" هي رواية كُتبت لأهل بيروت وليس لسواهم. حتى ان شاب من قرية لبنانية بعيدة عن بيروت لن يتمكن من لمس روح بيروت حين يقرأ كتابها. ذلك ان الوصف نادر في رواية مندور. فالكاتبة لا تصف مدينة بيروت بل تعيش فيها وتعيّش شخصياتها فيها. كانها رواية كُتبت على شكل مذكّرات يومية، كتبتها روائية مقيمة في بيروت، ليقرأها اصدقاؤها وزملاؤها الذين يقيمون مثلها في بيروت وفي نفس احيائها.

توليف الرواية اشبه بتوليف فيلم تتنقل كاميرته من شخصية الى شخصية، لتروي قصصها... كأن المتكلّم في رواية مندور ليس واحدا، وليس ذكرا او انثى، وليس راويا لقصة واحدة وذاكرة واحدة. احمد، الذي هو بطل الكتاب الفعلي بحيث انه هو الذي يروي بصيغة المتكلم معظم الرواية، يترك بين الحين والحين شخصيات اخرى تروي قصصها او مشاعرها او حكايات اهلها. كما انه يفسح المجال امام الكاتبة نفسها بان تتدخل في الرواية، فنقرأ احيانا مقاطعا لا متكلم فيها، الا سحر مندور الكاتبة وليس الشخصية، اذا اعتبرنا ان احدى شخصيات الكتاب هي مندور، او كلها. بعض مقاطع الكتاب نصوص موضوعية لا مشاعر فيها ولا وصف ولا متكلم معين لها. كالمقطع مثلا الذي يبدأ على الشكل التالي:

"ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
اذهب الى تصفّح، بحث.
خالد بن الوليد (584 - 642 م) قائد ومخطط عسكري إسلامي، غزا بلاد فارس، واحتلّ بلاد الروم".

وتكمل الكاتبة تعريفها بخالد بن الوليد بلغة ناشفة ومباشرة كانها كتبت ما قرأته في موسوعة وايكيبيديا او في كتاب تاريخ او دراسة ما اجراها احدهم، غيرها، عن تلك الشخصية التاريخية...
هكذا تُخرجنا مندور من الرواية لصفحة او صفحتين منها الى لغة جديدة ومنطق آخر وراو آخر... ثم تعيدنا الى الرواية كأن شيئا لم يكن، بسلاسة ومن دون تصنّع او اصرار على جعل الكتابة تتبع منطقا خاصا وتقنيات كلاسيكية.

ومندور في كتابها "حب بيروتي" تثور على اللغة العربية واعرافها، فتكتب بلغة عربية تارة، ثم تنتقل الى الكتابة باللغة اللبنانية المحكية من دون انذار. معظم الرواية مكتوب بلغة بيروت المحكية العامية، تلك التي لا تكتفي مندور بان تجعلها لغة الحوار (الكثيف في الرواية) بل تستطرد بها فتدخلها الى نص الرواية المكتوب وتمزجها بكلمات وتعابير وجمل عربية فصحى.

كأن شخصيات الرواية يكتبون، هم، باللغة التي يحكونها. وتبدو مندور مرة جديدة كانها تكتب لهؤلاء من قرائها الذين يعيشون في بيروت ويحكون لغة البيروتيين. وتُدخل الكاتبة على الرواية كلمات اجنبية مكتوبة بالعربية تارة وبالاحرف اللاتينية تارة اخرى.

نمط الرواية واسلوب الروائية يُدخل القارئ في عجقة العولمة والحداثة وضجّتهما. دائما يشعر انه يقرأ في كتاب ليس كلاسيكيا، لا بل انه كتاب يتهجّم بجرأة على الرواية الكلاسيكية تارة، وبسذاجة عليها تارة اخرى...

كما شخصيات كتاب مندور يعيشون علاقة يحولونها الى حقل تجارب للمشاعر والعلاقات، هكذا تفعل سحر مندور في روايتها عبر اسلوبها الخفيف والمتقلب والثائر على اللغة والاسلوب...
شخصيات الكتاب تلعب بالحب فيما تلعب مندور باللغة. ويصعب على القارئ احيانا ان يعرف ان كان اللعب هذا او ذاك دليل على تحرر الشخصيات او الكاتبة، او دليل على سذاجة هذه او تلك...

فالكتاب يبدو غالبا اشبه بالحوار المحكي المتواصل منه بالرواية. مع ان مندور تبدو في بعض المقاطع روائية حساسة ومتمكنة من اللغة والافكار التي تعرف كيف تصف عبرها مشاعر الناس بكثير من الدقة والواقعية...

فهل هي طريقة مندور في جعل روايتها تبدو اكثر واقعية، التي جعلت كتابها يبدو كانه موجّه الى اصدقائها من سكان بيروت؟ فالكاتبة تتحدث عن مدينة من دون ان تصفها، وتكتب باللغة التي تحكيها في حياتها اليومية، كانها للرواية ما هو ال"راب" للموسيقى الكلاسيكية...
هل يمكننا ان نأخذ الادب العربي الى مراحل جديدة من تاريخه عبر ادخال لغات جديدة عليه ومنطق جديد واسلوب حديث متأثر بالعولمة والغرب، بهذه السهولة والخفة؟

هذا ما يجب ان يقرره القراء، كل حسب معتقداته، الا ان الاكيد هو ان كتاب سحر مندور عبر شخصياته وقصته واسلوبه لا يشبه لبنان واللبنانيين ولا يتحدث عنهم. بل يتحدث معهم، ومعهم فقط.
ليست رواية عن شباب لبنان وعن حياة الشباب في بيروت، بقدر ما هي رواية عن شباب يعيشون في لبنان ولا يشبهون اللبنانيين
 
 
a
a
© جميع الحقوق محفوظة للرأي نيوز 2006 - 2010
 برعاية